المسك .. أجود الطيب
مـقـدمــة
عرف العرب الأوائل المسك واستطابوا رائحته الذكية ، واستعمله الملوك وتهادوه في ما بينهم وحمله التجار من مواطنه الأصلية الى أنحاء العلم وثبت في صحيح الأمام مسلم عن سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أطيب الطيب المسك " وقال ابن قيم الجوزية في كتاب (الطب النبوي) عن المسك بأنه " ملك أنواع الطيب وأشرفها وأطيبها ، وهو الذي تضرب به الأمثال ويشبه به غيره ولا يشبه بغيره وهو طيب الجنة "
وجاء ذكره في القرآن الكريم بقوله تعالى عن شراب أهل الجنة { يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك } الآية .
وشاع استعمال المسك أثناء البعثة المحمدية ، فورد في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها :
" كنت أطيب النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يحرم ويم النحر وقبل أن يطوف البيت بطيب فيه مسك " .
وذكر بعض الشعراء العرب الأوائل في قصائدهم كقول جران العود :
لقد عاجلتني بالسباب وثوبها جديد ومن أردائها المسك تنفح
وقال رؤبة بن العجاج :
إن تشف نفسي من ذبابات الحسك أحر به أطيب من ريح المسك
ويقول لسان العرب :
المِسكُ بكسر الميم : ضرب من الطيب مذكر و قد أنثه بعضهم على أنه جمع واحداته مسكة . وثوب ممسك : مصبوغ به ، ودواء ممسك أي فيه مسك . وقال الجوهري : المسك من الطيب فارسي معرب ، وقال : كانت العرب تسميه المشمومُ .
مــصــدره
ســاد الاعتقاد قديماً بأن المسك هو دم ينعقد من حيوان دون الظباء قصير الأرجل له نابان معقوفان إلى الأرض وقرنان في رأسـه معوجان إلى ذنبه ، ودليله قوله أبي الطيب المتنبي في إحدى قصادئد مدحـه :
فإن تفق الأنام وأنت منهم فإن المسك بعض دم الغزال
ويقول العلم الحديث إن المسك : إفرازات جافة تفصل من جريبات قلفية ( Preputial Follicles ) في ذكر إيل المسك (الضباء) وحده دون غيره ، وهو حيوان يشبه الغزال واسمه العلمي ( Moschus Moschiferus Linn ) ويوجد المسك في كيس صغير نشأ عن التفاف الجلد عند بطن ذكر إيل المسك ، وهو يعرف بكيس المسك ( Musk Pod ) ويكون المسك طري القوام أو دبي ( Treacly ) أو زيتي بني اللون له رائحة نفاذة تستمر فترة طويلة ، ويغطي كيس المسك بالسعر وفيه قناة صغيرة تخرج منها الا فرازات عبر الفتحة القلفية (Preputial Orifice ) للحيوان الذكر ، ولا يفرز الضبي الصغير جداً في العمر المسك ، كما يفرز الحيوان كبير السن مقادير صغيرة منه .
إيل المسك
إيل المسك هو حيوان صغير الحجم جميل الشكل رشيق الحركة يقارب في حجمه حجم ذكر الظبي ، وتوجد أعداد كبيرة منه في مناطق بوسط آسياء تمتد ما بين بحر قزوين غرباً إلى الحدود الشرقية للصين ، ويأسر الصيادون هذا الحيوان أو يصطادونه بالبندقية ، ثم يستأصلون من ذكروره أكياس المسك التي تنظف ثم تجفف ، وتعرف بالجراب Pod ، ثم يربط كل جراب على حدة في ورق ، ويعبأ داخل علب صغيرة مغطاة بالحرير وتسمى العلبة ( Caddy ) وفيها 12,5 كاتي ( وهي وحدة وزن في الصين وجنوب شرق آسياء تساوي نحو رطل انجليزي وثلث ) من جربات المسك . تربط جربات المسك عادة داخل علبة معدنية مسطحة . ومصدر معظم المسك الأوروبي هو هضبة التبت وجبال الهملايا ومقاطعة شزشوان (Cze-Chwan ) في الصين ويعرف بمسك تونكوين ( Tonquin Musk ) وينقل عبرنهر يانكسي كيانج ( Yangtse-Kiang ) إلى مدينة شنغهاي ثم يصدر منها إلى الخارج . تجمع مقادير أقل من المسك من مقاطعة يونان ، وتجمع كميات صغيرة أخرى من المنطقة الممتدة بين نيبال أو مسك آسام إلى كلكتا في الهند ويسمى بمسك نيبال أو مسك آسام . وتفحص جربات المسك في الصين ثم تصنف إلى ثلاثة درجات من الجودة ، ثم تفحص ثانية في نجلترا وتصنف مرة اخرى الى مقادير وافرة تعرف أفضل أصنافه بمسك تونكوين ويستورد على شكل جرابات معبأة في علب صغيرة ، وتكون جرابات المسك فيها دائرية أو بيضاوية أو نصف كروية الشكل ، ويتراوح نصف قطرها بين 7,5 سم وسمكها نحو 2 أو 3 سم ، ويوجد على السطح المحدب لجراب لمسك في الحيوان شعر أبيض أو بني اللون ، ويغطي الجانب المسطح للجراب غشاء طري رقيق جداً يكون لونه بنياً داكناً اذ كان مليئاً بالمسك ، وتكون الجرابات المملوءة بمسك تونكوين ذات لون أزرق ويغطيها جلد خارجي خشن الملمس ليفي يفصل عادة ويستبعد ، و يزن الجراب الجيد منه بين 20 إلى 30 جراماً وفيه نحو نصف وزنه من المسك الجيبـي ، وعادة يكون المسك داخل الجراب رطباً وله رائحة أمونيومية ( NH4 ) ويمكن النخلص من الرطوبة والأمونيا بتعريضه لتيار من الهواء فيصبح المسك ذا لون بني محمر له رائحة نفاذة ومذاق مر .
أصناف المسك
عرف المسلمون الأوائل اصناف عديدة للمسك فقال المسعودي في كتاب "مروج الذهب و معادن جوهر الأرض" ظباء المسك تعيش في التبت وهي أرض واحدة متصلة ، ويفضل المسك التبتي على الصيني لسببين أولهما أن ظباء التبت ترعى على سنبل الطيب و أنواع الأفاوية ، وظباء الصين ترعى على الحشيش دون ما ذكرنا من أنواع الحشائش التي ترعى عليها التبتية ، والسبب الأخر هو أن أهل التبت لا يتعرضون لإخراج المسك من نواضجة ويتركونه كما هو بخلاف الصين فأنهم يخرجونه ويلحقه الغش بالدم وغيره ، كما أن المسك الصيني أيضاً يؤثر على رئاحته طول المسافة فب البحار .
ومن أهم أصناف المسك المعروفة حالياً ما يلي :
أولاً : مسك يونان ( Yunan Musk ) يستور على شكل جرابات يسهل تمييزها عن الجرابات صنف تونكوين في شكلها ويرفع فيها الجلد في اتجاه فتحة القلف Orifice ، ويساوي مسك يونان في جـودته صنف تونكوين .
ثانياً : مسك آسـام ونيبال : تكون جرابات المسك فيه صغيرة وكروية الشكل تقريباً ، ويصل وزنها نحو ثلث صنف تونكوين ، والمسك والمسك داخلها جاف ولونه بني محمر لامع (مسك نيبال) ، تقريباً أسود (مسك آسام) ، ويستورد هذان الصنفان عادةعلى شكل حبوب ويمكن التميز بينهما من الرائحـة ، وتكون جودة المسك النقي لهما عالية .
ثالثاً : مسك كاباردين ( Cabardine Musk ) ، ويصدر معظم هذا الصنف من موانئ الصين الشمالية إلى اليابان ، ويكون لون شعر جراب الحيوان أبيض رمادي ، والمسك داخله ذو رطوبة أعلى من الأصناف السابقة وأقل حبيبّية .
كما صدر منطقة نشمي نوفوجرود ( Nishmi Novgorod ) الصينية إلى نجلترا مسكا ذا جودة أقل من الأصناف الأخرى .
تـركـيبتـة
خلال عمليات التقطير التجاري تتجمع كمية صغيرة تصل نسبتها إلى 1,4% من زيت طيار بني اللون له رائحة قوية خاصة بالمسك ، وهو تركيبياً عبارة كيتون حلقي التركيب ( Cyclic Ketone ) يعرف بمسكون ( Muskon ) فيه 15 ذرة فحم ، ويحتوي المسك على رطوبة ومادة دهنية وراتنخ وبروتينات ومركبات غير عضوية ، وتذوب منه نسبة تتراوح بين 50 - 75 % في الماء ، ويشترط تجارياً عدم احتواء المسك على رطوبة تزيد نسبتها عن 15% وأن لايتخـلف عن حــرقـة رمـاد تزيد نسـبته عن 8% .
في الطب الإسلامي
صتف الأطبار المسلمون الأوائل المسك شـمـاً أو شـرباً أو مخلوطاً مع غيره كدهن في علاج العديد من الأمراض ، وقال عنه داود النطاكي في تذكرتة : "يفتح السدد ويحل الأخلاط الباردة ويقوي الحواس كلها مطلقاً ، ويزيل الظلمة و البياض وضعف البصر والدمعة والظفرة كحلا ، وبرد الأس احتمالاً ، وأوجاع الأذن فطوراً في دهن اللوز أو القسط والفم والواحشة والخفقان أكلاً ، ويقوي الغريزة وينعش ويعين على الحمل ويمنع النزلات " .
كما ذكر ابن قيم الجوزية في كتابه ( الطب النبوي ) فــوائــدة الـصـحـيـة :
" يسر النفس ويقويها ويقوي الأعضاء الباطنية جميعاً شرباً وشمـاً ، نافع للمشايخ والمبرودين لاسيما زمن الشتاء ، جيد للغشى والخفقان وضعف القوة ، بانعاشه الحرارة الغريزية . ويجلو بياض العين وينشف رطوبتها ويغشي الرياح فيها من جميع الأعضاء ، ويبطل عمل السموم وينفع من نهش الأفاعي ، ومنافعه كثيرة جـداً وهو أقوى المفرحات " .
وقال قاموس المحيط عن المسك " مقو للقلب ومشجع للسوداويين نافع للخفقان والرياح الغليظة في الأمعاء السموم والسدد " .
إستخدامات المسك
يستخدم أحياناً في الطب كمنشط للجسم ( Diffusible Stimulant ) كما يستخدم في الأغلب في صناعة العطور النفسية كمثبت لتركيبها ومحسن لأريجاها فيطيل وجوده فيها الاحساس بشذى رائحتها الذكية .
المسك الـصــناعـي
تباع في الأسواق مجموعة من مركبات بيوتايل تولوين الرباعية Mitrated Tertiary Butyl Toluenes أو الزيلين أو المرتبطة بها كمسك صناعي ، ويكون مسك أمبريت عبارة عن مادة نترومسك ( Nitromusk ) صناعية تسبب التهاباً جلدياً وحساسية للضوء ، ويستعمل مركبات بينتاديكانون الحلقي ( Cyclopentadecanone ) كأحد بدائل المسك وهو يختلف عن مركب مسكون ( Muskone ) الموجود في المسك الطبيعي بغياب مجموعة الميثايل CH4 في جزيئه ، وعموما لا تشابه البدائل الصناعية التركيبية المسك الطبيعي إلا بشكل بسيط O .